محمد محمد أبو ليلة
125
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
فقدت أعيانها ، وثبت بالأدلة اليقينية وضعية الموجود منها ، إلا ما حفظ اللّه تعالى فيها من كلامه القديم ليكون دليلا على إلهية الأصل ، وحجة للمسلمين على تحريف هذا الأصل . ولقد أصبح من المسلّم به لدى النقاد الغربيين المحدثين أن التوراة الحالية مثلا ليست هي التي نزلت على موسى عليه السلام وأنه عليه السلام لم يكتبها البتّة ؛ وأنها إنما كتبت بأيد مختلفة ، وفي عصور مختلفة ، وجهات مختلفة ؛ هذا ما تؤكده النصوص الحالية لهذه الكتب ؛ وليس حال الأناجيل في وضعها الحالي بأفضل من حال التوراة وسائر كتب اليهود . ولذلك كانت عملية كتابة الأناجيل وغيرها تحتاج إلى تنقيح وترقيع ، وتعديل وتدقيق ، ومراجعة ومعارضة ، وحذف وإضافة ، بحسب أحوال المخطوطات المختلفة والنصوص المتباينة والترجمات الكثيرة التي ولّدت منها هذه الكتب التي بين أيديهم ، هذا مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أنه لا يوجد إنجيل واحد في لغته الأصلية ؛ والاختلافات الجوهرية بين الأناجيل تؤكد عدم سلامة الأصل الذي أخذت عنه . ناهيك بأن هذه الكتب لم يحفظها أهلها في صدورهم كما حفظ المسلمون كتاب ربهم ، وأحاديث نبيهم صلى اللّه عليه وسلم . ونذكّر بما قلناه في موضع آخر من هذا الكتاب بأن من وجوه إعجاز القرآن كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل اللّه بحفظه . يزعم الكاتب بإصرار أن القرآن نفسه هو الذي يشهد بأن " القرآن " قد تعرض للتغيير معتمدا في ذلك على قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( البقرة : 106 ) ، وقوله : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) ( النحل : 101 ) ؛ آية أخرى يرى فيها المستشرق تبريرا لما وقع في القرآن من تحريف وهي قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) ( الحج : 52 ) ؛ يدعى الكاتب أن هذه الآيات توحي بأنها وضعت للرد على اتهام القرآن بالتغيير والتبديل ، وأن القرآن يقدم ثلاثة تفسيرات لهذه المسألة ، يعنى التحريف من وجهة نظره ، وقيل إن هذه التفسيرات : أولا : أن محمدا نسي أجزاء من القرآن في بعض الأحيان . ثانيا : أن الشيطان قد وضع أو أقحم شيئا في ثنايا الوحي أثناء قراءة محمد .